الفصل العاشر من رواية إلامبراطورية الأعداد

في إمبراطورية الأعداد، كان لكل رمز رسالة وجودية يجسدها، وكل عملية حسابية تحكي قصة أمل يولد أو انكسار ينجلي. ولكن، على الحواف البعيدة والمهمشة من هذا العالم المبهر، كان الرقم الفردي الأخير، ممثل الفئة المعوزة والطبقات الكادحة، يعيش في صمت مطبق.
كان يتحمل آلام الحاجة وإهمال المركز، غير أنه احتفظ في أعماق روحه بإيمان راسخ وطموح لا تخبو ناره مهما اشتدت العواصف. هذه هي السيرة الملحمية لصوت المستضعفين، وكيف استطاع شاب من صلب معاناتهم أن يشعل نيران تغيير سلمي أبدلت وجه المملكة إلى الأبد.
قرية المقادير المنسية ووجع البدايات
الرقم تسعة وما يتفرع منه علامة فارقة للفقراء والكادحين، أولئك الذين يسكنون أكواخا متواضعة شيدت من صفائح معدنية متآكلة وأخشاب رميمة، بالكاد يعثرون في نهايات أيامهم الشاقة على قوت يسد رمق أطفالهم.
في قرية نائية تعرف باسم المقادير المطوية، الواقعة على التخوم المهملة للإمبراطورية، كانت العائلات تناضل بشراسة يومية من أجل البقاء على قيد الحياة. هناك، يترك الأطفال مقاعد الدراسة مبكرا ليلتحقوا بأسواق العمل القاسية، وتجوب الأمهات زوايا النسيان بحثا عن بقايا طعام أو أمل ضائع.
من رحم هذه المعاناة، برز الشاب الطموح ذو الرمز تسعون. كان في ريعان شبابه، يمتلئ قلبه بوهج يتراوح بين الحلم العظيم بإنقاذ أهله، وبين كابوس الفقر العتيد الذي يطوق عنقه.
كان يقيم مع والديه المسنين وإخوته الأربعة في مسكن ضيق لا يقيهم زمهرير الشتاء ولا شمس الصيف، يتقاسمون رغيفا واحدا يغمسونه في الصبر كل يوم.
في ليلة قارس بردها، جلس الفتى الحالم تحت وميض شمعة خافتة تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة، يصغي بقلب ممزق إلى تأوهات أمه المريضة وهي تتوجع لعدم توفر ثمن الدواء.
التفت إلى أبيه الذي حفرت السنين أخاديدها على وجهه، وقال بنبرة ملؤها التصميم: لا يمكننا الاستمرار في الاستسلام لهذا الموت البطيء! سأتجه فجرا إلى المدينة الساحلية الكبرى لأبحث عن فرصة عمل تنتشلنا من هذا الضياع.
نظر إليه والده بعينين ملؤهما الشفقة والخوف، محذرا: يا بني، تلك الحاضرة ممتلئة بأصحاب الثروة والنفوذ، قلوبهم أقسى من صخور شواطئها، وليس لأمثالنا من البسطاء موطئ قدم هناك.
غير أن الفتى، متسلحا بإصرار يفتت الصخر، قرر خوض غمار المخاطرة. جمع مبلغا زهيدا من صديقيه الأمينين، حاملي الرمزين تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين، وتسعة وتسعين ألفا وتسعمائة وتسعة وتسعين، اللذين لم يترددا في تقديم مدخراتهما اليسيرة لتغطية تكاليف رحلته المجهولة.
جدران الثروة وصدمة الاغتراب الساحلي
بعد مسير شاق استمر لأيام عبر نهر المعادلات المتلاطم، وصل الفتى المثابر أخيرا إلى المدينة الساحلية، الجوهرة المتلألئة في تاج الدولة.
تسمرت عيناه أمام مشهد لم يألفه؛ قصور فاخرة تناطح السحاب، مطاعم راقية تفوح منها روائح أطعمة لم يتخيل وجودها، وأسواق باذخة تزخر بسلع نفيسة لا تقدر بثمن.
اندهش الشاب وسط العمارات الزجاجية العاكسة والمركبات الفارهة التي تجوب شوارع مرصوفة بعناية، لكنه في الوقت ذاته أحس بغربة قاهرة تعتصر روحه.
كان لباسه البالي يفضحه وسط هذا البذخ، ووجهه يحمل علامات التعب وشقاء السفر. بدأ يقرع أبواب المطاعم والفنادق والنزلات الفخمة، يعرض خدماته بأي ثمن طالبا وظيفة تقيه ذل السؤال: أنا شاب قوي، أستطيع غسل الأواني، أو حمل الأمتعة، أو تنظيف الساحات! ولكن كل باب كان يطرق، كان يغلق في وجهه مصحوبا بنظرات الازدراء والاستعلاء.
صرخ في وجهه أحد المديرين المنتمين لطبقة رمز الثراء: انصرف من هنا فورا! لا مكان لأمثالك من الأرقام المنبوذة في مؤسساتنا الراقية. أحس الفتى بطعنة غائرة في كرامته، وكأنه كائن غريب في ديار ترفض الاعتراف بآدميته.
صدفة الألم ونداء الضمير الإنساني
متعبا ومنكسرا، جر الفتى أذيال الخيبة وجلس تحت شجرة وارفة الظلال في روضة عامة مزدحمة بالأزهار الغريبة، ينظر إلى أمواج البحر بحزن عميق يتساءل عن سر هذا التفاوت المريع.
فجأة، التقطت أذناه أنينا خفيا يتصاعد من خلف شجيرات قريبة. اقترب بحذر ليفاجأ برفيقه القديم، صاحب الرقم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين، والمنتمي لطبقة المساكين، ملقى على الأرض الباردة وقد أضناه الجوع وشحب لونه.
كان هذا الصديق قد سبقه في القدوم إلى المدينة الساحلية قبل أشهر باحثا عن سراب الغنى، ولكنه لم يحظ بأي فرصة عمل، فانتهى به المطاف مشيدا من سكان الأرصفة والطرقات.
التقط الصديق المتعب أنفاسه بصعوبة وقال بصوت متهدج: لم أذق طعم الزاد منذ ثلاثة أيام كاملة. أين العدل في هذه الإمبراطورية؟ أين الإنسانية التي يتشدقون بها في خطبهم؟
تألم الشاب لرؤية رفيق دربه في هذا الهوان، واشتعلت في صدره نيران غضب مقدس لا يخمد. قبض على يد صديقه وقال بحزم: لا بد من إيجاد حل جذري! لن نستسلم لهذا الموت الصامت الذي يفرضونه علينا.
تذكر الفتى مذكرة ورقية صغيرة وممزقة الأطراف يحتفظ بها في جيبه العميق، ممتلئة بأرقام هواتف رفقاء الصبا وأيام الدراسة. قلب الصفحات بلهفة وشوق، حتى استوقفه رقم زميله القديم، حامل الرقم خمسة وخمسين، والذي ينتمي للفئة المتوسطة المستقرة. قرر أن يجرب حظه. حاول الاتصال في المرة الأولى فلم يتلق ردا. وفي المحاولة الثانية، أتاه صوت مفعم بالثقة يقول: مرحبا!
دهش الفتى للحظة، ولكنه تمالك نفسه وقال بخجل وتردد: أنا زميلك القديم من أيام مقاعد الدراسة الابتدائية. أنا وصديقنا الآخر متواجدان هنا في مدينتكم، ونمر بظرف قاهر نحتاج فيه إلى عونك وتدخلك.
تردد حامل الرمز خمسة وخمسين لبرهة، وكاد أن يعتذر بانشغالاته، لكن شريط ذكريات الطفولة البريئة مر أمام عينيه، حين كان الجميع سواسية يلعبون في ساحات الأحياء دون فوارق طبقية. استولت الرأفة على قلبه النابض بالخير، وقال بنبرة دافئة: ابقيا مكانكما، أنا في طريقي إليكما حالا!
زحف المهمشين وصرخة الساحات
وصل الرفيق المتوسط بسيارته البسيطة والموثوقة، ونقل الشاب وصديقه المنهك إلى منزله المتواضع. قدم لهما الطعام الدافئ والمأوى الآمن، وقال بصدق: القيم الإنسانية وحق الجوار أعلى من كل اعتبار مادي. لا يمكنني ترككما تواجهان قسوة هذه المدينة بمفردكما.
ورغم هذا الكرم، لم يطمئن قلب الفتى المجتهد. شكر مضيفه قائلا: فضل طوق عنقي، ولكن مصيبتنا أعم وأكبر من أن تحل بوجبة طعام. المحتاجون يهانون كل دقيقة، والمدينة الساحلية لا ترحم ضعفهم، بل تدوس عليه. أيده الصديق القديم الذي استعاد بعض عافيته: نحن لا نتسول العطف، بل نحتاج إلى تغيير حقيقي في أسس هذه المملكة الجائرة!
بعد نقاش طويل امتد حتى بزوغ الفجر، اتفق الثلاثة، الفتى الطموح، وصديقه الجائع، والرجل المتوسط الذي أدرك أن أمنه مرتبط بأمن المجتمع، على تنظيم تجمع سلمي وحضاري للمطالبة بالعدالة وتكافؤ الفرص. استخدموا كل وسائل التواصل المتاحة لنشر الدعوة في الأحياء الفقيرة والمناطق الصناعية التي يقطنها الوسطاء.
في اليوم الموعود، زحفت حشود غير مسبوقة، اجتمع ممثلو رمز المساكين ورمز الوسطاء في ساحة المعادلات الكبرى، قبالة القصر الإمبراطوري المهيب. رفعوا لافتات كتبت بمداد القهر والأمل: الفقراء أبناء شرعيون لهذه الأرض!، ونطلب عملا وعيشا يصون كرامتنا!. وانضم إليهم الآلاف من حملة الرموز الكبرى الكادحة، يرددون بصوت واحد زلزل الأركان: الجوع يدمر عقولنا، والاحتقار يذل أرواحنا!
قاعة العدل الكبرى وسقوط أقنعة الفساد
داخل أسوار القصر المنيع، التفت الحاكم الصفر إلى صدى الهتافات التي اخترقت جدران عزلته. استدعى الحكيم الأعلم فورا وسأله بتعجب: ما هذا الضجيج الذي يقض مضجع الإمبراطورية؟
أوضح العالم بوقار: يا سيدي الإمبراطور، إنها طبقة المساكين والوسطاء، تعاني من ويلات الحرمان والازدراء الممنهج. المدن الساحلية ومقدراتها باتت حكرا خالصا على أصحاب الثروات، بينما ترك الفقراء بلا ملجأ أو نصير. تدخل ولي العهد الشاب، الذي كان يحمل رؤية إصلاحية، قائلا بحماس: يجب أن نفتح أبوابنا ونسمع صوتهم مباشرة دون وسطاء!
أمر الإمبراطور الحرس بإحضار قادة التجمع، الفتى وصاحبيه، إلى قاعة العدل الكبرى. في تلك القاعة المضاءة بأشعة ذهبية تعكس هيبة القانون، وقف الفتى الغاضب وحكى مأساة جيله بكلمات تدمي القلوب: أتيت إلى المدينة أبتغي عملا شريفا يغنيني عن ذل السؤال، فلقيت الإهانة والإقصاء. نحن الفقراء لسنا بدعا من الخلق، بل نحن ملح هذه الأرض وبناتها!
أكمل صديقه الذي ذاق مرارة التشرد: أنام على الأرصفة الباردة، والجوع ينهش أمعائي في مدينة ترمي فائض طعامها في البحر! وأضاف الرجل المتوسط بحجة بالغة: حتى الفئة الوسطى، التي تمثل صمام الأمان، تئن تحت أثقال الجباية والرسوم، بينما الأغنياء يهربون أموالهم ويتهربون من مسؤولياتهم الاجتماعية!
هنا استشاط ممثل رمز الثراء الحاضر في المجلس غضبا، وصرخ بصلف: نحن من نحرك عجلة الاقتصاد، وبدوننا ستتوقف الحياة! فقاطعه الحكيم الأعلم بحزم أخرسه: الاقتصاد الذي يخلو من الرحمة هو خراب مستعجل! العطف والتضامن والتعاون هي الأركان الحقيقية التي تمنع المجتمعات من الانهيار.
إشراقة العدالة وعهد التكافل
أدرك الإمبراطور حجم الفساد المتغلغل، فأمر الحكيم بتشكيل لجنة تحقيق سيادية عاجلة تحت إشراف قائد الفرقة الرابعة. استدعى القائد العسكري مراقبيه الأربعة، الجمع، الطرح، الضرب، والقسمة، وأرسلهم لفحص أحوال المدن الساحلية وتدقيق سجلاتها.
كشفت عملية القسمة الدقيقة أن أغلب الوظائف والمناصب الحساسة مسيطر عليها بالكامل من قبل شبكات محسوبية تابعة لأثرياء الرمز سبعمائة وسبعة وسبعين، وأنهم يرفضون بشكل قاطع توظيف الفقراء مهما بلغت كفاءتهم.
وعثر الضرب، بفضل قدرته على تتبع التراكمات، على وثائق سرية تظهر تهريبا ضريبيا واسع النطاق، مما أثقل كاهل الفئتين الوسطى والفقيرة لسد عجز الخزينة. عاد المفتشون بتقرير حاسم يزين صفحاته عنوان واحد: الفساد في السواحل يفقر المساكين ويثقل كاهل الوسطاء!
في ساحة الحق، وأمام الجماهير المحتشدة، أطل الإمبراطور وأعلن بيانه التاريخي: الرحمة هي أساس الملك الرشيد! على مقدرات المدن أن تكون مشتركة ومتاحة للجميع دون تمييز.
أصدر أوامر صارمة بإلزام الشركات الكبرى بإقامة برامج تدريب وتوظيف للفقراء، تمول مباشرة من أموال الجباية العادلة المفروضة على الأغنياء. كما أصدر مرسوما بتخفيض الضرائب عن الطبقة الوسطى، وأمر بإنشاء مستشفيات ومرافق صحية مجانية متطورة للطبقة المحتاجة.
ولضمان استدامة هذه الإصلاحات، عين الحكيم الأعلم مستشارا أعلى للعدالة الاجتماعية، وكلف الفتى الشجاع وصديقه بتقلد مناصب رقابية، وتبليغ روايتهم لتكون دستورا ونورا تسترشد به الأجيال القادمة.
رجع الفتى إلى قريته التي غادرها باكيا، ليعود إليها مرفوع الرأس بعد أن حصل على وظيفة محترمة كمدير إقليمي للموارد البشرية في أحد أهم المطاعم الساحلية، ضامنا توظيف أبناء قريته.
ساعد عائلته في العلاج، وشيد مسكنا لائقا يأويهم. وفي افتتاحية صحيفة المملكة الكبرى التي تتناقلها كل الأرقام، كتب ممثل المساكين مقالا هز الوجدان جاء فيه: الفقر ليس عارا نخجل منه، ولكن الجور والتهميش هما الجرم الحقيقي الذي يجب محاربته.
ومنذ ذلك اليوم المشهود، أصبحت إمبراطورية الأعداد أكثر تماسكا وصلابة، متحدة برباط العطف والتعاضد، لتثبت للجميع أن العدل هو المعادلة الوحيدة التي تضمن الخلود للأمم.




