الفصل الرابع من رواية إمبراطورية الأعداد

في زوايا الكون الحسابي الفسيح، حيث تعتقد العقول أن المنطق الرياضي الصارم يحكم كل تفصيلة، تختبئ أحيانا شوائب الطبيعة المفكرة. لم تكن إمبراطورية الأعداد مجرد فضاء خال من المشاعر، بل كانت مسرحا حيا تتنفس فيه الطموحات، وتتصارع فيه الإرادات.
بعد أن استقرت العواصف السياسية التي كادت أن تعصف بالنظام، خيل للعامة أن السلام قد بسط رداءه نهائيا. غير أن بذور الفتنة لا تموت بسهولة إذا وجدت أرضا خصبة في قلوب تهوى السيطرة.
كان المستشار، ذلك الرمز الذي يحمل القيمة “ثلاثة”، يمثل حالة درامية معقدة. فهو من جهة يمتلك عبقرية فذة وقدرة استثنائية على قراءة المتغيرات، ومن جهة أخرى يعاني من جوع لا يشبع نحو النفوذ.
كان بمثابة العين الساهرة التي ترصد دبيب النمل في أطراف المملكة، وتلتقط همسات المقاهي الشعبية لتحولها إلى سياسات في كواليس المجلس الأعلى. ورغم النكسة القاسية التي تعرض لها سابقا حين حاول الإطاحة بكبير المدبرين، يبدو أن جمرة الجشع في داخله لم تنطفئ، بل تحولت إلى رماد يخفي تحته نيرانا جديدة، مستعدا لخوض غمار مغامرة أشد خطورة في مستنقع المحسوبية والرشوة.
صرخة الكفاءة المهدورة في أحياء المهمشين
بعيدا عن قصور الحكم الباذخة، وفي الأطراف النائية من العاصمة حيث تتكدس المقادير الجليلة ذات القيم العليا، عاش الشاب الطموح “ابن العدد تسعة”. كان هذا الفتى يمثل الشريحة الكادحة التي تبني آمالها على التحصيل العلمي والاجتهاد الشخصي.
أنهى دراسته بتفوق ملحوظ في كلية الآداب والمعارف الإنسانية، حاملا بين ضلوعه حلما نبيلا وبسيطا: أن يقف يوما أمام سبورة الفصل كمدرس محترم. كان يطمح للعمل تحت مظلة وزير التربية الوقور “الرقم ستة”، ليغرس في عقول الأرقام الصغيرة والكسور العشرية قيم البناء، ويعلمهم كيف يصوغون معادلات المستقبل المستدام.
لكن الواقع كان سدا منيعا يتحطم عليه هذا الحلم الجميل. فمع كل إشراقة شمس، كان الشاب يحمل ملفه الأكاديمي المثقل بالشهادات ليطرق أبواب المؤسسات التعليمية، وفي كل مرة، كان يجابه برفض غير مبرر، وإقصاء ممنهج لا يستند إلى أي معيار منطقي.
اعتاد الشاب أن يجلس في مقهى شعبي متواضع يطل على ضفة النهر السلطني، يراقب جريان المياه التي تذكره بمرور سنوات عمره هباء.
كان يشكو لأقرانه بمرارة وحرقة تعتصر قلبه قائلا: “كيف توصد الأبواب في وجهي وأنا أحمل أعلى مراتب العلم؟ أليست التربية حقا مشاعا لمن يمتلك الكفاءة؟ متى أصبح الاستحقاق سرابا في وطننا؟”. كانت نبرته تفيض بالإحباط واليأس، إلا أن وميض الرجاء لم يفارقه يوما.
فخ الأمل الزائف ووهم العلاقات
في إحدى الليالي الباردة، وبينما كان ابن تسعة يرتشف قهوته المرة غارقا في دوامة أفكاره السوداوية، اقترب منه صديقه “ابن الثمانية”. كان هذا الأخير ينتمي إلى الطبقة الوسطى المستقرة، وعُرف بطيبة قلبه وتعاطفه الصادق مع معاناة الفئات الأقل حظا.
جلس بجواره وربت على كتفه محاولا بث الطمأنينة في نفسه، وقال بنبرة واثقة: “لا تيأس يا رفيق الدرب. الأمور لا تسير دائما بالشهادات وحدها في هذا الزمان. والدي يمتلك شبكة علاقات قوية، وهو يعرف المستشار شخصيا. سأترجاه أن يتدخل لصالحك، ليجد لك مكانا لائقا في سلك التعليم”.
ما إن وقعت هذه الكلمات على مسامع الشاب المرفوض حتى تهلل وجهه، وشعر وكأن جبلا من الهموم قد انزاح عن صدره. عاد تلك الليلة إلى منزله المتواضع بخطوات خفيفة تكاد تلامس الغيوم. نام نوما عميقا وهنيئا لم يذق طعمه منذ تخرجه، سابحا في أحلام وردية يرى فيها نفسه واقفا يشرح النظريات لأجيال الغد.
ثمن الحلم: صدمة المساومة وتهاوي المبادئ
مع انبلاج فجر اليوم التالي، طرق ابن الثمانية باب صديقه مبكرا. كان وجهه متجهما لا يحمل البشائر التي وعد بها. دخل بصمت ثقيل، ثم قال بصوت متهدج: “عندي لك أخبار، لكنها ليست كما تمنينا. لقد تحدث والدي بالفعل إلى المستشار، لكن هذا الأخير طلب مبلغا خياليا قدره ثلاثمائة ألف وحدة نقدية، زاعما أنها رسوم لتمرير الملف وتجهيز الوثائق الإدارية لضمان التعيين المباشر”.
وقعت الكلمات كالصاعقة على رأس ابن تسعة. اتسعت حدقتاه من هول الصدمة، وتبخرت أحلامه في ثانية واحدة. بدأ يتلعثم والدموع تترقرق في عينيه: “ثلاثمائة ألف؟ من أين لفقير مثلي أن يأتي بهذا الكنز؟ هل أصبح العلم والوظيفة سلعا تباع في أسواق النخاسة؟”.
ورغم قسوة الموقف، وبدافع الخوف من العودة لظلمات البطالة، اتخذ قرارا مريرا. قرر أن يخوض هذه المغامرة المهينة. انطلق كالمجنون يطرق أبواب أهله وجيرانه في الأحياء الفقيرة، يستدين من هذا، ويقترض من ذاك، جامعا مدخراتهم الهزيلة ليشتري حقه المسلوب.
العيون الساهرة وتدبير الكمين المحكم
لم تكن إمبراطورية الأعداد غابة بلا حراس. فشائعات الفساد تنتقل بسرعة البرق متجاوزة الأزقة الضيقة والأسواق المزدحمة، لتصل في النهاية إلى أروقة القرار العالي. تناهى الخبر الصادم إلى مسامع الأمير الشاب “الرقم واحد” وحكيم المملكة “الرقم اثنان”.
في قاعة الاجتهادات المطلة على ساحة القصر، عقد الرجلان اجتماعا مغلقا. غضب كبير المستشارين بشدة وضرب الطاولة بيده قائلا: “كيف يجرؤ هذا الرجل على العودة إلى مستنقع الخطيئة؟ ألم تكفه الفضائح السابقة؟ إنه يستغل حاجة الضعفاء ويبني مجده على أنقاض أحلامهم!”. رد الأمير بنبرة حازمة قاطعة: “لن نتهاون هذه المرة.
التهاون السابق هو ما جعله يتمادى. سنلقنه درسا لن ينساه، وسنجعله عبرة لكل من تسول له نفسه العبث بمقدرات الرعية”.
قرر القياديان نصب فخ محكم للإيقاع بالمسؤول الفاسد متلبسا بجريمته. استدعيا على الفور قائد الجيش الصارم “الرقم أربعة”، الذي يمثل القوة الضاربة والالتزام بالقانون، وكلفاه بتنفيذ المهمة بسرية تامة.
ليلة السقوط: عدسة الإضافة وتوثيق الخيانة
تم التواصل سرا مع الشاب الضحية في باحة خلفية بعيدة عن الأنظار. طمأنه القائد العسكري قائلا: “نحن هنا لحمايتك واسترجاع كرامتك. ستذهب للقائه كما خططتم، لكننا سنكون ظلك الذي لا يرى”.
تم تجهيز فرقة استخباراتية عالية الدقة، تقودها العلامة الرياضية “الزائد (+)”، والتي زُودت بكاميرات مراقبة خفية قادرة على توثيق أدق التفاصيل وجمع الأدلة.
في منتصف الليل، وفي زقاق مظلم تغمره الرطوبة والرهبة، التقى الشاب المغلوب على أمره بالمستشار الأنيق. تقدم ابن تسعة بأيد مرتجفة ليسلم الحقيبة الممتلئة بالوحدات النقدية المزورة التي أعدتها القيادة مسبقا. أمسك المسؤول الحقيبة وعيناه تلمعان بطمع واضح، وابتسم بصلف قائلا: “مبارك لك، غدا ستستلم جدول حصصك، لقد اشتريت مستقبلك بذكاء”.
في تلك اللحظة الحاسمة، انشقت العتمة عن نور ساطع. ظهرت علامة الزائد موجهة عدساتها نحو وجه المرتشي، وتدافع القائد أربعة مع جنوده الأشداء ليطوقوا المكان من كل جانب. سقطت الحقيبة من يد المستشار، وشلت حركته تماما بعد أن أدرك أنه وقع في شر أعماله، وأن الجرم مشهود ولا مجال للمراوغة.
المحاكمة الكبرى في ساحة الانتصاف
لم يتأخر الرد الإمبراطوري. دعا الحاكم الأعظم “الصفر” إلى عقد جلسة طارئة واستثنائية في ساحة الانتصاف الكبرى. توافدت جميع الأرقام والرموز، واصطفت العلامات الحسابية كحرس شرف يحمي ميزان العدالة. حضر الجميع بوجوه واجمة يترقبون لحظة القصاص.
اعتلى الإمبراطور كرسيه، ووجه نظرة ثاقبة ومخيفة نحو المتهم الذي كان يقف مطأطأ الرأس. تحدث بصوت يبعث على الرهبة: “يا من ادعيت الابتكار وصناعة الحلول، كيف سمحت لنفسك بتدمير نسق المملكة؟ لقد جعلت من التربية، التي هي أقدس حقوق المواطنة، سلعة تباع في الأزقة المظلمة. لقد خنت العهد، واستغللت العاجزين لتضخيم ثروتك الوهمية”.
تقدم الشاب الصغير بجرأة مستمدة من وقوف العدالة إلى جانبه، وقال: “يا سيدي، لم أطلب سوى حقي في العمل بشهادتي، لكنه ساومني على شرفي المهني وطلب مالا لا أملكه. إذا ضاع الاستحقاق، فما قيمة كل هذه المعادلات التي تحكم عالمنا؟”. تلاه ابن الثمانية الذي اعترف بخطئه في السعي خلف الواسطة، مبررا ذلك بجهله ونيته في مساعدة صديقه.
حاول المستشار أن يتحدث بصوت منكسر ومذلول، باحثا عن مخرج واه: “كنت أحاول مساعدته وتسهيل أموره بطريقتي الخاصة”. لكن حكيم المملكة أسكته فورا وبحزم قاطع: “أتسمي الابتزاز مساعدة؟ أنت لم تكن تبيع الوظيفة، بل كنت تبيع الرجاء مقابل النقد! لقد برهنت أن العبقرية الخالية من الضمير هي أخطر أسلحة الدمار”.
حكم الحكمة وبزوغ فجر الجدارة
ساد صمت مطبق في الساحة، بانتظار نطق الحكم النهائي. كان الجميع يتوقع حكما بالنفي أو التجريد من القيمة. لكن الإمبراطور الصفر، بفضل رؤيته الفلسفية العميقة، أدرك أن السجون لا تصلح النفوس، بل العمل والتكفير عن الذنب.
قال الإمبراطور بكلمات كتبت في سجلات التاريخ: “السيادة الشعبية هي صوت الحق، والوساطة هي الخنجر الذي يطعن هذا الصوت. تقرر عدم سلب حرية المتهم، بل إلزامه بإصلاح ما أفسده”.
أصدر الحاكم أوامره بتأسيس “لجنة النزاهة والشفافية” وعين الشاب ابن تسعة رئيسا فخريا لها، لضمان تكافؤ الفرص في التوظيف. كما أمر المستشار بالتنحي عن منصبه السياسي، وإجباره على العمل كمساعد إداري تحت إمرة الشاب الذي حاول ابتزازه، ليساهم في بناء برامج تعليمية مجانية وتطوير معاهد جديدة لخدمة الطبقات الكادحة.
مع مرور الأيام، ابتلع المسؤول السابق كبرياءه، وبدأ يعمل بصدق واجتهاد في موقعه الجديد. أدرك من خلال تواصله مع معاناة البسطاء أن الجشع كان يعمي بصيرته. وقف يوما أمام طلاب المعهد الجديد وقال بصدق: “العدالة هي القوة الوحيدة التي لا تهزم، وما بني على باطل ينهار عند أول اختبار”.
أما الشاب الطموح، فقد غدا أستاذا لامعا، يعلم الأجيال الصاعدة درسا أثمن من كل علوم الرياضيات: أن التمسك بالحق والمطالبة بالاستحقاق، هما السلاح الأقوى لكسر شوكة الفساد، وأن الرجاء النقي سيظل دائما أقوى من كل أموال الدنيا.




