
الفصل الثاني: أنواع المس وأقسامه – من كتاب القول الجليل في علاج العليل
مقدمة الفصل: في رحلة البحث عن الشفاء والتأصيل الدقيق للأمراض الروحية، وبناءً على التعريف السابق في الفصل الأول الذي أقررنا فيه أن مصطلح “المس” هو مصطلح عام يشمل مراتب متفاوتة في الشدة والوضوح، فإنه يمكن تقسيمه علمياً وشرعياً إلى أنواع وأقسام رئيسية.
وهذا التفصيل المنهجي مهم للغاية لضبط المصطلحات، وتحديد طرق العلاج المناسبة لكل حالة بدقة، بعيداً عن التخبط أو الخلط بين العوارض.
أولاً: مس الوسوسة والإلقاء الخفي (أدنى المراتب)
يُعد هذا النوع هو أخف درجات المس وأكثرها شيوعاً بين الناس. ويتمثل في قيام القرين (وهو الشيطان الموكل بالإنسان) بإلقاء الخواطر السيئة، والهواجس المقلقة، والشكوك المضللة في النفس، لصدها عن طريق الخير وتزيين الشر لها. وهذا النوع عام وشامل لا يسلم منه أحد تقريباً، لكن تتفاوت قوته وضعفه بحسب قوة إيمان العبد وضعفه، ومدى تعلقه بخالقه.
- الأدلة الشرعية: قوله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن». قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير» (رواه مسلم). وهذا الحديث العظيم أصل في إثبات وجود القرين وتأثيره المستمر بالوسوسة.
- طريقة العلاج: يكون بكثرة الاستعاذة بالله، والإخلاص التام في العبادة، وملء القلب بذكر الله، كما أرشدنا القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
- [ سورة الأعراف: 200]
ثانياً: مس الإيذاء والتخويف المباشر
ننتقل هنا إلى مرتبة أشد من مجرد الوسوسة، حيث يتعدى الجني مجرد إلقاء الخواطر إلى إيذاء الإنسان بشكل محسوس ومباشر. وتتعدد صور هذا الإيذاء لتشمل:
- تخويف المصاب برؤية مناظر مفزعة أو سماع أصوات مخيفة لا مصدر لها.
- إيذائه في المنام عبر الكوابيس المتكررة أو ما يُعرف بـ (“الجاثوم”).
- إلقاء الكرب والضيق الشديد والاختناق على قلبه دون مبرر.
- إعاقته عن العبادات بشعور ثقيل جداً أو نعاس مفاجئ يسلبه طاقته.
- وقد يصاحبه آلام متنقلة في أماكن معينة من الجسد دون أي سبب طبي واضح.
الدليل من السنة المطهرة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا) رواه البخاري (3303) ومسلم (2729).
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلَابِ وَنَهِيقَ الْحُمُرِ بِاللَّيْلِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ يَرَيْنَ مَا لَا تَرَوْنَ) رواه أبو داود (5103)، وصححه الألباني في “صحيح أبي داود”. وهذا يدل بشكل قاطع على قدرة الجن على الظهور والتأثير الحسي في عالمنا.
ثالثاً: مس التلبس (السيطرة الجزئية أو الكلية)
وهو أشد أنواع المس ظهوراً وتأثيراً، حيث يتمكن الجني من السيطرة على بدن الإنسان أو بعض حواسه، ويُقسم من الناحية العملية إلى نوعين رئيسيين:
- التلبس مع بقاء الوعي: وهو أن يحل الجني في بدن المصاب ويصاحب وعيه، ويتكلم على لسانه بغير إرادته، أو يحرك أطرافه حركات لا إرادية، أو يُسمِعه كلاماً من داخله. وهذا ما يُسمى أحياناً بـ “التسلط”.
- الصرع (الغياب الكلي أو الجزئي عن الوعي): وهو أشهر صور التلبس وأوضحها للعيان، حيث يسيطر الجني على الجهاز العصبي للمصاب، فيفقد وعيه تماماً أو جزئياً، وتحدث له تشنجات وحركات عنيفة، وقد يصدر عنه كلام بغير وعيه. وهذا التخبط يشبه “الصرع الطبي” في أعراضه الظاهرية، لكن سببه روحي محض.
- الأدلة القرآنية: قوله تعالى في وصف آكلي الربا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275]. فقد شبه الله حالتهم بحالة الممسوس المتخبط، وهي حالة كانت معروفة ومُشاهدة عند العرب. كما وردت آثار متواترة عن الصحابة رضوان الله عليهم في رقيهم للمصروع.
حقيقة تلبس الجن بالإنسان والخلاف الفقهي في كيفيته
إن هذه المسألة تعد من أهم ما يجب تحقيقه في هذا الباب، لما يترتب عليها من فهم صحيح يمنع العقل من الغلو أو التفريط، ويضع الأمور في نصابها.
أولاً: ثبوت حقيقة التلبس بالدليل الشرعي والواقعي
إن التلبس حقيقة ثابتة لا ريب فيها بنصوص الشرع وشهادة الواقع المتواتر عبر العصور:
- الدليل القرآني: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275]. فهذا تشبيه لحالة معلومة لدى المخاطبين. قال الإمام ابن كثير (إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي): “أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له؛ وذلك أنه يقوم قياماً منكراً”. وقال ابن عباس: “آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يُخنق”. رواه ابن أبي حاتم، قال: وروي عن عوف بن مالك، وسعيد بن جبير، والسدي، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك.
- الدليل من السنة: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً رقى سيد حي من العرب بلدغة عقرب بسورة الفاتحة فبرأ، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال: «وما أدراك أنها رقية؟». وقد تكررت قصص الرقية للمصروع في عهد الصحابة والتابعين.
- الإجماع العملي: نقل غير واحد من أهل العلم إجماع السلف على ثبوت حقيقة المس والتلبس. ومنهم الإمام ابن تيمية الذي قال في “مجموع الفتاوى”: “والمس يكون من الجن… وهذا مما لا ينكره إلا من هو أجهل الناس، أو من هو من أشد الناس معاندة للحق”.
ثانياً: الخلاف المشروع في كيفية هذا التلبس
أما الكيفية التي يتم بها هذا التلبس، فهي من الأمور الغيبية التي اختلف فيها أهل العلم على قولين مشهورين، والخلاف هنا لفظي في التفسير لا في أصل الثبوت:
- القول الأول (وهو قول الجمهور والمحققين): أن الجني يسيطر على الإنسان من الخارج، فيؤثر على جهازه العصبي وحركته وسلوكه، دون أن يدخل في جوفه أو يحل في داخله. واستدلوا بحديث: «لا تلجوا على المغيبات، فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم. قلنا ومنك؟ قال: ومني، ولكن الله أعانني عليه، فأسلم» (الراوي: جابر بن عبدالله | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الترمذي 1172 | التخريج: أخرجه أحمد، والترمذي، والدارمي). حيث فسروه بأنه تشبيه لسرعة وسوسته وتأثيره الخفي بسرعة جريان الدم، وليس حقيقة الحلول في العروق. وهذا القول يحفظ كرامة الإنسان ويوافق الحكمة.
- القول الثاني: وهو قول لبعض العلماء، وهذا القول يحتاج إلى تأَنٍّ، لأن الدليل الصريح لا يؤيده، وحديث “مجرى الدم” يحتمل المعنى المجازي كما ذهب الجمهور.
الراجح والله أعلم هو القول الأول (التأثير الخارجي)، وذلك لاعتبارات منطقية وشرعية:
- يتفق مع ظاهر النص الذي شبه التأثير بالجريان لا بالحلول.
- يحفظ كرامة الإنسان التي كرمها الله، فلا يجعل جسده وعاءً لحلول خلق آخر.
- يناسب طبيعة الجن التي هي من عالم الأمر (خفي لطيف)، فيمكن أن يؤثر في عالم الإنس (الكثيف) من غير حلول مادي، كما تؤثر الإشارات اللاسلكية على الجهاز من غير دخول فيه.
- يقطع الطريق على الخرافات والمبالغات التي قد تسيء إلى الدين وتُنفّر العقلاء.
منهج الرقية الخاصة بمس الجن والشياطين
في هذا الفصل يُقصد جمع طائفة من الآيات القرآنية التي يُلتمس بها دفع ما يعرض للإنسان من أذى خفي يتعلق بمسّ الجن أو تسلط الوساوس الشيطانية. وهي آيات تحمل في مضمونها معاني الحفظ، والتثبيت، ودفع الكيد، وإزالة الخوف، وربط القلب بخالقه على وجه يعيد إليه توازنه وسكينته. وليس المقصود من هذا الجمع الاقتصار على مجرد التلاوة، بل استحضار حقيقة أن القرآن خطاب هداية قبل أن يكون وسيلة علاج، وأن أثره يظهر بقدر ما يوافقه من صدق التوجه وصفاء الاعتقاد.
وقد دلّ الوحي على أن الشيطان يجري من الإنسان مجرى التأثير والإغواء، وأن له مدخلاً إلى النفس من جهة الغفلة والاضطراب، غير أن سلطانه ضعيف أمام من اعتصم بالله ولجأ إليه، كما أن ما يُنسب إلى مسّ الجن إنما يقع ضمن تقدير الله الكوني، ولا يخرج عن دائرة قدرته وتدبيره.
ومن هنا كان الرجوع إلى القرآن باباً أصيلاً في معالجة هذا النوع من الأذى، إذ يجمع بين تقويم الداخل، وردّ الاعتداء، وبعث الطمأنينة في القلب.
ويُراعى في قراءة هذه الآيات أن تكون بنية خالصة، قائمة على طلب العافية من الله وحده، مع يقين لا يتزعزع بأن الضر والنفع بيده سبحانه، وأن هذه التلاوة إنما هي سبب يُتوسل به، لا قوة قائمة بذاتها. فكلما كان القلب أكثر حضوراً، واللسان أكثر صدقاً، والجوارح أبعد عن أسباب الغفلة، كان ذلك أقرب إلى تحقق المقصود وظهور الأثر.
وتُستعمل هذه الآيات بوسائل مباحة، فيُقرأ بها على النفس مباشرة، أو على ماء طاهر يُشرب منه، أو على زيت يُستعمل في مواضع الألم أو التوتر، كما يمكن قراءتها في المكان الذي يشعر فيه الإنسان بثقل أو اضطراب، طلباً لسكينته وتنقيته من أثر الوسوسة. ويُستحب أن يكون ذلك في حال هدوء وانفراد، مع تدرج في القراءة وتكرر حسب الحاجة، دون إلزام بعدد معين، وإنما بحسب ما يعين على حضور القلب واستقرار النفس.
كما ينبغي التنبه إلى أن الوسوسة قد تشتد وتضعف تبعاً لحال الإنسان، وأن علاجها لا يقتصر على القراءة وحدها، بل يتكامل مع دوام الذكر، والمحافظة على الصلاة، واجتناب ما يفتح أبواب القلق والاضطراب. فإذا اجتمعت هذه المعاني، وأخذ العبد بالأسباب الظاهرة، كان أقرب إلى السلامة والعافية، بإذن الله.
وهذا كله جارٍ على أصلٍ ثابت، وهو أن الله هو الحافظ لعباده، لا يرد بأسه شيء، ولا يقوم أمام أمره كيد، فمن احتمى بجنابه، ولزم بابه، كفاه وأغناه، وردّ عنه ما يخاف، أو خفف عنه أثره، حتى يزول.
جدول الآيات القرآنية المخصصة لرقية المس ودفع الأذى
تيسيراً للمريض والمعالج، جمعنا لكم الآيات المباركة التي ثبت نفعها في الرقية، مرتبة في هذا الجدول الشامل لتكون مرجعاً واضحاً:
| اسم السورة | أرقام الآيات | اسم السورة | أرقام الآيات |
| سورة البقرة | 14، 36، 102، 168، 208، 268، 275 | سورة طه | 120 |
| سورة آل عمران | 36، 155، 175 | سورة الحج | 3، 52، 53 |
| سورة النساء | 38، 60، 76، 83، 117، 119، 120 | سورة النور | 21 |
| سورة المائدة | 90، 91 | سورة الفرقان | 29 |
| سورة الأنعام | 43، 68، 71، 112، 121، 142 | سورة النمل | 24 |
| سورة الأعراف | 20، 22، 27، 30، 175، 200، 201 | سورة القصص | 15 |
| سورة الأنفال | 11، 48 | سورة العنكبوت | 38 |
| سورة يوسف | 5، 42، 100 | سورة لقمان | 21 |
| سورة إبراهيم | 22 | سورة فاطر | 6 |
| سورة النحل | 63، 98 | سورة يس | 60 |
| سورة الإسراء | 27، 53، 64 | سورة ص | 37، 41 |
| سورة الكهف | 63 | سورة فصلت | 36 |
| سورة مريم | 44، 45، 68، 83 | سورة الزخرف | 36، 62 |
| سورة الحجر | 17 | سورة محمد | 25 |
| سورة الأنبياء | 82 | سورة المجادلة | 10، 19 |
| سورة المؤمنون | 97 | سورة الحشر | 16 |
| سورة الشعراء | 210، 221 | سورة الملك | 5 |
| سورة الصافات | 7، 65 | سورة التكوير | 25 |
(حقوق الملكية الفكرية محفوظة: هذا الفصل جزء من كتاب “القول الجليل في علاج العليل”، المنشور حصرياً على منصة Story-Hub. رقم الإيداع القانوني: 2026MO1780 | الرقم الدولي المعياري للكتاب ISBN: 978-9920-8647-2-5)




